السيد حيدر الآملي
360
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
لكن خصّص بمكّة وأهلها تخصيصا بمولده ومنشئه وإلّا كلّ نبيّ أو رسول أو إمام يكون بعدهم يكون لطفا في حقّ الجميع أعني من المشرق إلى المغرب ، وكلّ من لم يصل إلى هذا اللطف يكون المنع منه لا من الرّسول والإمام أو الحقّ تعالى جلّ ذكره ، وإلى هذا أشار في كتابه بقوله : قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [ سورة الأنعام : 104 ] . وأمثال ذلك في القرآن كثيرة ، وهذه قاعدة مطّردة بين العلماء لا سيّما بين الإماميّة والمعتزلة والصّوفيّة الحقّة أيضا ، وليس المراد هذا البحث بل المراد أنّ هذا الكتاب النّازل على نبيّنا يجب أن يكون شاملا للكلّ أي كلّ ما في هذا العالم ، إنسانا كان أو حيوانا ، نباتا كان أو جمادا ، أعني يكون محتويا على مصالحهم في معاشهم ومدارجهم ومراتبهم مطلقا ، لئلّا يخرج أحد من حكمه ويلزم الفساد المذكور ، وعلى هذا ذهب أهل اللّه وخاصّته وأهل الكمال بأجمعهم ، لكن بعض المنحرفين عن الحقّ وأهله انحرفوا عن هذا المقام ومالوا إلى ظاهر التّفسير ورضوا بأن يكونوا موصوفين بما قال اللّه تعالى : يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ [ سورة الروم : 7 ] . نعوذ باللّه منهم ، والقرآن لو لم يكن كما قلناه ، ما صدق قوله تعالى : وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ [ سورة الأنعام : 59 ] . وما صدق قوله : وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ [ سورة النحل : 89 ] . وما قال فيه : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [ سورة الأنعام : 38 ] . ولم يكن يصفه أيضا بأنّ كلماته لا تنفد بالبحور السّبعة وما بعدها لقوله :